السيد عبد الأعلى السبزواري
215
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
قوله تعالى : يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ . أي : أن اتباع اللّه سبحانه وتعالى والدخول في ولايته عزّ وجلّ باتباع الرسول الكريم الذي هو الكتاب الناطق ، فإنه : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [ سورة النجم ، الآية : 3 - 4 ] ، يستدعي محبّة اللّه تعالى له ، وكفى بذلك فخرا وسعادة . وهو المقام السامي الذي يقصده كلّ مخلوق . ويستفاد من الآية الشريفة أن محبّة اللّه تعالى للعبد تترتب على محبّة العبد للّه تعالى ، وعند التخلّف لا يكون إلا ادعاء ، بل هي محبّة الهوى لا محبّة اللّه تعالى ، ولكن لكلّ منهما مراتب متفاوتة . وعلامة محبّة اللّه تعالى للعبد هي التوفيق للطاعة والهداية والبعد عن المعصية ، والانقلاع عن دار الغرور ، والانقطاع إلى دار الخلود ، وهذا هو الفوز المبين . وإنما ذكر سبحانه محبّته للعبد دون ولايته ، فإن الحبّ هو الأصل الذي تبتنى عليه الولاية ، وبه يصل العبد إلى مقام الولاية . قوله تعالى : وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ . عطف اللازم على الملزوم ، أي : إذا تحقّقت محبّة اللّه تعالى لعبده ، يتحقّق غفرانه لا محالة . والذنوب هي التي تمنع من أن يحظى العبد مقام القرب من اللّه تعالى ، كما أنها هي التي توجب ستر الحقائق عنه وحجبه عن ربّه ، قال تعالى : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [ سورة المطففين ، الآية : 14 ، 15 ] . والمحبّة هي الجذبة الروحانيّة بين الحبيب والمحبوب ، وهي لا تتحقّق مع الذنوب ، فكما أن محبّة العبد للّه تعالى توجب الإخلاص له ، كذلك محبّة اللّه العبد تستدعي قربه تعالى له وإزالة الحجب التي حصلت من الذنوب عنه ، فالحبّ يقتضي غفران الذنوب وما يتبعه من الإفاضات المعنويّة والظاهريّة والمقامات التي تقصر العقول عن دركها ، فإن إفاضاته غير محدودة إلا ما كان من جهة المستفيض ، قال تعالى : وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً [ سورة الإسراء ، الآية : 20 ] .